الشيخ محمد هادي معرفة

135

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

القرآن عندما يتحدّث عن الإنسان - وليس في حقيقة الإنسانية ذكورة ولا أُنوثة - إنّما يتحدّث عن الجنس ذكرا وأُنثى على سواء . وعندما يتحدّث عن كرامة الإنسان وتفضيله على كثير ممّن خلق « 1 » وعن الودائع التي أودعها هذا الإنسان « 2 » وعن نفخ روحه فيه « 3 » وعندما يبارك نفسه في خلقه لهذا الإنسان « 4 » إنّما يتحدّث عن الذات الإنسانية الرفيعة المشتركة بين الذكر والأُنثى من غير فرق . هو عندما يقول : « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » « 5 » وعندما يقول : « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ » « 6 » وإلى أمثالها من تعابير لايفرّق بين ذكرٍ وأنثى : « أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ » . « 7 » لاميز بينهما ولا تفارق فيما يمتاز به الإنسان في أصل وجوده وفي سعيه وفي البلوغ إلى مراتب كماله . « إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً » . « 8 » وقد جاء قوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى . . . » « 9 » دليلًا قاطعا على موازاة الأنثى مع الذكر في أصالة النوع البشري ، ولا تزال هذه الأصالة محتفظا بها عبر تناسل الأجيال . نعم ، هناك خصائص نفسيّة وعقلية ميّزت أحدهما عن الآخر في تكوينهما الذاتي ممّا أوجب تفارقا في توزيع الوظائف التي يقوم بها كلٌّ منهما في حقل الحياة ، توزيعا عادلًا يتناسب مع معطيات ومؤهّلات كلّ من الذكر والأُنثى ، الأمر الذي يؤكّد شمول العدل في التكليف والاختيار . ولننظر في هذه الفوارق الناشئة من مقام حكمته تعالى في الخلق والتدبير .

--> ( 1 ) - الإسراء 70 : 17 . ( 2 ) - الأحزاب 72 : 33 . ( 3 ) - السجدة 9 : 32 . ( 4 ) - المؤمنون 14 : 23 . ( 5 ) - النجم 39 : 53 . ( 6 ) - الحجرات 13 : 49 . ( 7 ) - آل عمران 195 : 3 . ( 8 ) - الأحزاب 35 : 33 . ( 9 ) - الحجرات 13 : 49 .